04 - 04 - 2026

ضوء | الأطفال والحرب

ضوء | الأطفال والحرب

الحروب لها تأثيرات سلبية على المجتمع كله وعلى جميع الناس، لكن أكثر من يتأثر ويشعر بها هو الطفل، لما يتمتع به من نقاء وصفاء في الذهن، يؤهله إلى التقاط ما يسمعه وما يراه بشكل أقوى وأسرع من غيره.

الحرب وما يصاحبها من خوف ورعب، وتغييرات تدخل في حياة الطفل بقوة، في ألعابه وأحلامه وأكله وشربه، ويتأثر الطفل اجتماعيًا ونفسيًا أكثر من أي كائن آخر، فإذا فقد أحد والديه في الحرب، فهو أول من يتأثر اجتماعيًا ليصبح يتيمًا، وهو أكثر من يتأثر نفسيًا من الصدمة أو الحدث، الذي يلازمه طوال حياته، والذي لا يمكن أن ينساه لحظة واحدة، وتؤثر تلك اللحظة الفارقة على شخصيته وميوله ورغباته وأفكاره، وبما تتحول إلى عقدة نفسية لديه، مثل أن يتحول من طفل مسالم هادئ إلى طفل عدواني شرس الطباع، أو إلى طفل منعزل، أو إلى طفل مهزوز الشخصية، نتيجة الكوابيس التي يراها ليليًا.

ويحتاج الإنسان بشكل عام والطفل بشكل خاص إلى فترة طويلة لكي يتخلص من نتائج الحرب وانعكاساتها على شخصيته.

وفي الخليج العربي، ونحن نمر بهذه الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران، والتي تسببت في الاعتداءات الإيرانية على دولنا، فمنذ 28 فبراير 26، لأول مرة نسمع أصوات الانفجارات والصواريخ على رؤوسنا، ولأول مرة نرى الهلع في عيون الأمهات والأطفال.

ويُستحضر أمام أعيننا أطفال فلسطين في غزة والضفة، وهم يرون الرعب الصهيوني أمام أعينهم، ويذوقون ويلات الحرب اليومية، وكذلك أطفال العراق وسوريا واليمن ولبنان وغيرها من الدول العربية والأجنبية التي ذاقت تجربة الحرب المريرة، وحتى أطفال إيران، ما ذنب الشعوب؟ ولماذا دائمًا هم الضحية؟  

والسؤال الذي يراود أذهاننا هو: كيف نحمي أطفالنا من شرّ الحرب ونتائجها النفسية؟

بالطبع نستطيع أن نحمي أطفالنا عندما نحمي شعبنا كله، لنبعد شبح الحرب عنا، ذلك لأن الحرب دمار شامل على الإنسان والثقافة والحضارة، وعلى كل شيء جميل، وعلى الجميع أن يقف بوعي وبقوة ضد الحروب، وضد كل الأصوات التي تدعو إليها وتدقّ الطبول لها، وعلينا أن ندعو إلى السلام من أجل أطفالنا، ومن أجل البشرية جمعاء، وعلينا أن نجنب أوطاننا كل أشكال الحروب، وخاصة الحرب الأهلية، فلقد رأيت بأم عيني ماذا فعلت الحرب الأهلية في لبنان، كنت أقدم امتحان البكالوريوس في الجامعة عام 1986، وخيّروا الطلبة بين تقديم الامتحان في لبنان أو في الأردن، وكنت الطالبة الوحيدة التي اختارت بيروت، ودخلت المدينة، فإذا بها مدينة أشباح، لا ماء لا كهرباء في أي مكان لا في البيوت ولا في الفنادق، وكل المباني مهدمة أو متعرضة للرصاص والقنابل، كل الأبواب والنوافذ مهترئة ولا تُقفل، لا ترى في الشوارع خيال إنسان، لا مقاهي لا مطاعم وحتى المتاجر تخلو من أغلب مستلزمات المعيشة، الطعام شحيح، والعيون متعبة وحزينة، بيروت التي كانت تعج بالحياة دمرتها الحرب الأهلية تدميرًا شاملًا.

لذلك ولأنني رأيت بعيني ماذا فعلت الحرب الأهلية في لبنان، أخاف وارتعب من تكرارها في أي بلد كان، وخاصة في بلادي، ولذلك دائمًا أدعو إلى السلم الأهلي، وأحثّ على الترابط واللحمة الوطنية بين مكونات مجتمعنا البحريني الطيب المسالم.

المهم عودة إلى موضوع الحرب وتأثيرها على الأطفال، خاصة إذا كانت الحرب مفروضة علينا، كحال الحروب في مختلف الأقطار العربية، وكحال الوضع الذي نحن عليه الآن، وأنا أرى الهلع في الوجوه، والسهد في العيون، أتوجه إلى الأهالي بما يلي:

1- عند سماع صفارة الخطر أو صوت الانفجار.. على الأم والأب وجميع من في البيت التماسك وعدم الصراخ، والعمل على التهدئة وعدم تهويل الأمر، لأن خوف الكبار ينتقل بقوة أكبر إلى قلوب الصغار، لذلك أنصح بأن يتمالك أفراد الأسرة أنفسهم، حتى تمر اللحظة المرعبة.

2- بعد مرور لحظات الخطر، علينا أن نواجه أسئلة أطفالنا بالإجابات المقنعة، لا أن نتهرب منهم أو نكذب عليهم، لنقدم شرحًا مبسطًا عن أسباب الحرب وخطرها وأهوالها، وعلينا أن نقول للطفل الحقيقة، وبأسلوب بسيط مثلًا: هذه الصواريخ والانفجارات بسبب العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، والذي تسبب باعتداءات إيران على دولنا، ونحن ضد الاعتداء والحرب على إيران وضد الاعتداء الإيراني علينا. لأننا نحب السلام ونكره الحروب، لأن الحرب تسبب الخراب في كل مكان.

3- علينا أن نؤكد لأطفالنا دومًا على كراهيتنا للحروب وحبنا للسلام، لكي نزرع في قلوبهم حب الخير والحياة والسلام.  

4- علينا نبذ التعصب والطائفية بكافة أشكالها وأنواعها، وعدم التلفظ بألفاظ طائفية سلبية ضد أية طائفة، لأننا إذا أدخلنا في عقول أطفالنا التحيز والطائفية ونبذ الطائفة الأخرى، فنحن بذلك نُشجع على الحرب الأهلية في وطننا مستقبلًا.

5- أهمية الوعي الفردي والجماعي بخطورة الحرب وما تسببه من ويلات للشعوب والأوطان.

6- الرؤية الموضوعية الشمولية للأمور، أي علينا أن نرى الأسباب والنتائج التي علينا والتي على غيرنا، أي أن نضع أنفسنا في موقع غيرنا، لكي تكون لدينا نظرة موضوعية وشاملة للأمور.

7- لقد وهب الله الإنسان عقلًا لكي يتبصر به الأمور، وعلينا أن نعرف قيمة هذه النعمة التي أنعم الله علينا بها.

وعسى الله أن يوقف هذه الحرب القبيحة سريعًا، ليعم السلام وتعود الطمأنينة والخير والحبّ في ربوع دولنا الخليجية والعربية جمعاء.
-----------------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام


مقالات اخرى للكاتب

ضوء | الأطفال والحرب